تحقيقات

انتخابات امانة عمان بعد الانتخابات النيابية: اصلاحات تجميلية لا تمس جوهر النظام السياسي

حوكمة –  سلافة الشامي – 

رغم وعود وتعهدات من اعلى قمة هرم السلطة في الاردن بإجراء إصلاحات ديموقراطية طال انتظارها، إلا ان العملية السياسية في المملكة ظلت تراوح مكانها خلال العقدين الماضيين، بإستثناء “عمليات تجميلية”، فرضتها اخيرا انتفاضة “الربيع العربي” وتداعياتها، من دون السماح لتلك العمليات بأن تمس عصب النظام السياسي الذي ما زال يقاوم مبدأ “الشعب مصدر السلطات” الذي نص عليه الدستور الاردني منذ العام 1950.

فالحكومات الاردنية ما زالت تعين من جانب القصر، فيما مجلس النواب، الذي يفترض فيه تمثيل الشعب، ينتخب وفق قوانين صاغتها السلطة التنفيذية المعينة ايضا، ليفرز ممثلين غالبيتهم يمثل الحكومة والحكم بدلا من تمثيلهم للشعب، فيما يحد قانون الانتخاب من فرص المعارضة بالوصول الى البرلمان، او يدفعها الى مقاطعة الانتخابات، فتستفرد “الموالاة” بالحكم كما هو الوضع القائم اليوم إثر مقاطعة غالبية الاحزاب المعارضة للانتخابات النيابية الاخيرة احتجاجا على قانون انتخاب تمت صياغته لإستبعادهم.

ولم تكن الانتخابات البلدية التي جرت صيف العام الماضي في وضع افضل بكثير من الانتخابات النيابية. فالناخبون في محافظة العاصمة، الذين يشكلون نحو نصف سكان المملكة البالغ عددهم حوالي سبعة ملايين نسمة، لم يسمح لهم سوى بإنتخاب ثلثي اعضاء مجلس امانة العاصمة بحسب القانون، فيما تم تعيين بقيتهم من جانب الحكومة، فضلا عن تعيين امين العاصمة الذي يتمتع بأغلبية الصلاحيات المخولة للمجلس.

 وقد يفسر ما سبق سبب عدم اقبال المواطنين على المشاركة في انتخابات العاصمة، بحيث لم تتجاوز نسبة الاقتراع 10 بالمئة ممن يحق لهم التصويت بحسب الاحصاءات الرسمية. إذ بحسب الارقام الرسمية، كان يفترض ان يتوجه مليونين و357 الف مواطن الى 7950 صندوق اقتراع في 384 دائرة انتخابية في مختلف بلديات ومحافظات المملكة في آب (اغسطس) الماضي، إلا ان نسبة التصويت لم تتجاوز 30 بالمئة ممن يحق لهم التصويت رغم الحملة الاعلامية الرسمية المكثفة للتشجيع على التصويت. وكانت نسبة الاقتراع في العاصمة من ادنى النسب المسجلة في المملكة.

 ويتألف مجلس امانة عمان الكبرى الجديد من 42 عضوا تم انتخاب الثلثين منهم (28 عضوا) بالانتخاب المباشر موزعين على 22 ممثلا لدوائر الامانة و 6 مقاعد اضافية هي حصة الكوتا النسائية. اما بقية الاعضاء ورئيسهم (الامين) فتم تعيينهم من قبل السلطة التنفيذية. ووقع اختيار الحكومة على الوزير السابق عقل بلتاجي ليكون امين العاصمة من دون استشارة اعضاء المجلس او اي طرف من خارج السلطلة التنفيذية.

وجرت الانتخابات البلدية رغم مقاطعة الاحزاب المعارضة وابرزها الحركة الاسلامية (الاخوان المسلمين) التي اعلنت قرارها مبررة اياه ب”عدم وجود نية لدى الحكومة بإجراء انتخابات نزيهة ومعبرة، تستطيع ان تنقل توجهات الشعب الاردني سواء كانت في الانتخابات المحلية او الانتخابات البرلمانية” بحسب ما افاد زكي رشيد، نائب المراقب العام للإخوان المسلمين.

وكان القيادي في جماعة “الاخوان المسلمين” نبيل الكوفحي سحب ترشحه في الانتخابات في اللحظة الاخيرة “لأسباب صحية” بعدما كان قد أعلن ترشحه لرئاسة بلدية اربد الكبرى في شمال المملكة. وكان قرار الكوفحي بالترشح مخالفاً لقرار الجماعة والتي أكدت بأن قرارالمقاطعة اتخذ بالاجماع. وقال بني رشيد انه كان “من الواضح ان ترشح (الكوفحي) كان مخالفة تنظيمية واضحة لقرار الحركة الاسلامية”. واضاف ان قانون الانتخاب هذا “اقره مجلس النواب وليس نحن. فاذا كانت هناك أرادة حقيقية لتغيير القانون، فنحن كنا شاركنا في تغييره من خلال مجلس النواب”.

وجاء تعليق وزير الداخلية والشؤوون البلدية حسين المجالي على مقاطعة الاسلاميين بقوله في مؤتمر صحافي بان  “العرس (الديموقراطي) يشارك فيه كل أبناء”، منتقدا مقاطعة الحركة الاسلامية. .

وقال النائب الليبرالي جميل النمري بأن الحكومة “فوتت فرصة ثمينة لإنجاز خطوة إصلاحية رئيسية،” وهي تعديل قانون البلديات ليساوي البلديات ببعضها البعض وجعلها افضل تمثيلا للمواطنين، مشيرا الى استثناء محافظة العاصمة ومحافظة العقبة من مبدأ الانتخاب المباشر لرئيس البلدية واعضاء مجلسه اضافة الى غياب عدالة تمثيل المواطنين في بعض البلديات..

وأضاف النمري بانه لا يوجد اي تصور لدى الحكومة الحالية برئاسة عبد الله النسور اي تصور لمبدأ الحكم المحلي واللامركزية مع أنه (اي رئيس الحكومة) كان جزءا من الحراك الساخن حول البلديات في مجلس النواب السادس عشر الذي كان النسور عضوا فيه. وهو يتذكر مشروع المجالس المحلية “الذي قاتلنا من أجله، فتجاهلته الحكومة وأجهضه الأعيان”. ويذكر ان مجلس الاعيان، الذي يبلغ عدد اعضاءه نصف عدد مجلس النواب، يتم تعيينهم ايضا بتنسيب من الحكومة.

وكتب النمري في مقال له بأن “الأفكار للإصلاح الجذري في موضوع البلديات وأمانة عمان موجودة، لكن ها هو رئيس الحكومة، ولسبب إداري وشكلي، يقرر الذهاب إلى انتخابات بالقانون القديم… وهذا يساوي التنكر لنصف مشروع الإصلاح السياسي.”

ويرى المحامي والناشط الحقوقي عمر العطعوط بأن الدافع وراء استثناء امانة العاصمة من الانتخاب المباشر الكامل، بعيدا عن رغبة وتوجهات وارادة المجتمع العماني، قد يكون لأن امانة عمان “تستحوذ على الموارد المالية الاكبر في المملكة… وبالتالي رغبة الحكومة في السيطرة على نفقاتها.” واعتبر ان ذلك “يشكل مدخلا كبيرا للفساد المالي والاداري، بعيدا عن اية رقابة شعبية حقيقية.”

 كما اشار الى ان قانون البلديات يتناقض مع الدستور”الذي ينص على ان الاردنيين متساوون امام القانون، ولا يجوز ان تكون هناك محافظة تنتخب ممثليها بالكامل فيما لا  ينتخب اهل العاصمة سوى ثلثي ممثليهم ومن دون الرئيس”. واعرب عن اسفه لأن القانون “يعامل اهل عمان على انهم فاقدون للأهلية وليسوا قادرين على انتخاب مجلس بلديتهم بأنفسهم.”

واعتبر ان استثناء محافظة العقبة ايضا من حق مواطنيها في انتخاب مجلسهم مباشرة وبكامل اعضاءه ورئيسة “يمثل خرقا آخر للدستور… إذ تعامل  الحكومة مدينة العقبة على ان لها صفه خاصة بوصفها “منطقة اقتصادية حرة… وكأنهم يقولون لإبن العقبة بانه غير مؤهل وغير كفؤ لإدارة منطقته.”

ويرى ناشطون سياسيون طلبوا عدم نشر اسمهم بان طريقة انتخاب مجلس امانة عمان تخلق انطباعا بأن النظام السياسي يبدو وكأنه يدفع بإتجاه التفريق بين المواطنين من اصول شرق اردنية والمواطنين من اصول فلسطينية ليضمن سيطرته على السلطة منفردا. ورغم عدم وجود احصاءات رسمية معلنة فإن دراسات خاصة اجراها مرشحون نيابيون تشير الى ان المواطنين من اصول فلسطينية في يشكلون اغلبية في العاصمة.

‫إلا ان من ايجابيات الانتخابات البلدية التي جرت الصيف الماضي كانت اعفاء الناخبين من ضرورة التسجيل قبل الانتخابات، وأصبح بامكان المواطنين معرفة مكان الاقتراع بمجرد ارسال رقمهم الوطني في رسالة نصية لرقم محدد، ليتلقوا بعدها مباشرة تفاصيل عن مركز الاقتراع التابع لمكان السكن ورقم الصندوق التابع للناخب. وينص القانون على انه يحق الاقتراع لكل مواطن أردني أتم الثامنة عشرة من عمره قبل ستين يوما من موعد الاقتراع.

ويقول المواطن أحمد الجيلاني، أحد سكان منطقة حي نزال في احد احياء العاصمة، بأنه أدلى بصوته في الانتخابات البلدية لأول مرة هذا العام لأنه شعر بأنها حصلت على تغطية اعلامية ودعاية مكثفة تحث الناس على التصويت ولأنه أراد أن يساند مرشح قريب من عائلته..

ويشير الجيلاني إلى أهمية وجود “مجالس أحياء” تمثل المواطنين في مناطقهم المختلفة وقادرة على سماع مطالبهم وحاجاتهم المجتمعية والتي تؤثر بعدد كبير من الناس، مثل بناء مرافق عامة لممارسة الرياضة.

وكانت مجموعة مؤلفة من 82 شخصا بمن فيهم عدد من النواب وقادة الرأي والصحفيين والناشطين الأردنيين بتوقيع عريضة تخاطب رئيس الوزراء ورئيس مجلس الأعيان للمطالبة بتعديل قانون البلديات والقوانين ذات الصلة لتكون افضل تمثيلا للمواطنين..

وضمت لائحة مطالبهم تشريع قانون انتخابات عصري للبلديات “يتيح الترشح على أساس قوائم تتنافس بناءً على برامجها ورؤيتها في تطوير العمل البلدي” و”إنشاء مجالس الأحياء لضمان المشاركة الفعلية لأوسع قاعدة جماهيرية في العمل البلدي” و”تحرير البلديات من وصاية وزارة البلديات وتمكينها من صرف مستحقاتها من الموازنة دون استجداء الحكومة المركزية،” بالإضافة إلى مطالب أخرى تدعو إلى توسيع صلاحيات واستقلالية البلديات وإقرار منظومة ادارية تسمح بمسائلة مجالس البلديات.

ويقول المواطن تيسير الكلوب بأنه قررالإدلاء بصوته في انتخابات بلديته، قصبة السلط،على الرغم من تحفظاته على قانون البلديات لأنه يرى بأن الحكم المحلي يؤثر بحياة الناس. واوضح ان رئيس البلدية “يستطيع ان يعمل ضمن هامش محدد، لكنه هامش مهم جدا لا يمكن تجاهله، فأنا انظر الى الحكم المحلي بطريقة مختلفة عن نظرتي الى الحكم السياسي… ويختلف معياري في كل حالة.”

تم إعداد هذا التقرير من قبل فريق مشروع حوكمة، وهو برنامج اعلامي استقصائي أطلقته مؤسسة طومسون رويترز في الاردن بالشراكة مع شبكة “أريج” إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية.”

تعليقاتكم

الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2015