تحقيقات

الواجهات العشائرية: بين “حقوق تاريخية” وضبابية قانونية

 حوكمة – معاذ عابد – 

لايكاد يمر اسبوع من دون اندلاع موجة من الاحتجاجات الشعبية في  مناطق مختلفة من المملكة تتحول الى أعمال عُنف تتسبب بإغلاق طرق حيوية مثل طريق مطار الملكة علياء الدولي وطرقا في جنوب المملكة، وكذلك في منطقة مثلث عوجان في محافظة الزرقاء. وتستهدف الاحتجاجات، التي يشارك فيها مئات من الشباب الباحثين عن عمل او مصدر للرزق، مطالبة الحكومة بتفويض اراض “اميرية” مملوكة لخزينة الدولة الى العشائر التي تقطن تلك المناطق منذ تاسيس امارة شرق الاردن وفق عرف كان سائدا قبل ان تصبح الامارة مملكة مستقلة في العام 1946.

وتتراوح هذه الاحتجاجات مابين اشعال للإطارات وإغلاق لشارع حيوي وهو ما حصل اخيرا عندما قام محتجون بإغلاق طريق يربط مدينة الرصيفة بمركز محافظة الزرقاء وشارع آخر يربطها بخط ياجوز الذي ينتهي بمناطق شمال العاصمة عمان ومدينة صويلح. وتسببت هذه الإغلاقات المتكررة بأزمات مرورية خانقة في مدينة الزرقاء التي يزيد عدد سكانها عن 600 ألف نسمة، مما يشكل دافعاً لدى المحتجين لمواصلة الضغط على الحكومة لتنفيذ مطالبهم بالحصول على”الواجهات العشائرية”.

 فما هي مبررات هذه المطالب بالواجهات العشائرية وخلفياتها التاريخية وموقعها القانوني في سياق المملكة الحديثة؟

قبل نشوء إمارة شرق الأردن في اوائل عشرينات القرن الماضي، وإبان الحكم العثماني للمنطقة كانت العديد من المساحات الجغرافية من الأراضي الأردنية مقسمة بين القبائل والعشائر البدوية تقسيماً وجاهياً  بحسب مناطق تواجدهم وسكنهم. وكانت تلك الاراضي في حينه تستغل لأغراض الرعي والزراعة بناء على نمط معيشة هذه القبيلة أوتلك. وبعد نشوء الإمارة بقي الحال كما هو عليه واعترفت السلطة الجديدة في شرق الأردن بحق هذه العشائر بالتقسيمات الوجاهية القديمة ومازلت الدولة تعترف بهذا الحق الوجاهي من حيث المبدأ،وخصوصاً لمن قام بتسجيل هذه الأراضي وتملكها بشكل قانوني عبر ما يُعرف بالكوشان أو حجة الملكية.

بدأت المشاكل بخصوص هذه الواجهات بالظهور بسبب تدهور الوضع الاقتصادي الذي تعرضت له البلاد خلال السنوات الاخيرة نتيجة لانعكاس الأزمات المالية العالمية  على الأردن وبسبب السياسات الاقتصادية الجديدة للدولة والكشف عن عدد من ملفات الفساد المتراكمة في كافة مفاصل الدولة.

وبدأت العشائر الأردنية في مختلف مواقعها بالمطالبة  بتملك هذه المساحات الشاسعة من الأراضي الأميرية وبعض المساحات خارج تنظيم المدن مستخدمة وسائل سلمية. واستندت بمطالبتها على أساس “الحق التاريخي” لهذه العشائرعلى اختلاف أماكنها ومساحتها. فعشائر بني صخر على سبيل المثال تطالب بواجهاتها في منطقة زيزيا قرب مطار الملكة علياء الدولي.

وتكثر القصص والحالات الخاصة بموضوع الواجهات حسب المنطقة والفعاليات الاجتماعية المطالبة بهذه الواجهات.

وبرزت إحدى أكبر هذه الحالات، وربما اقدمها، مشكلة واجهة عشيرتي الخلايلة والزواهرة التي تنتمي لقبيلة بين حسن أكبر القبائل الأردنية عدداً وانتشاراً.

إذ بعد نشوء الدولة الأردنية قامت القوات المسلحة بوضع اليد على واجهتهم المعروفة باسم الواجهة الشرقية والمقسمة بناء على حدود طبيعية معروفة بين العشائر في تلك المناطق. وفي بدايات الألفية الجديدة رفعت القوات المسلحة يدها عن هذه الواجهة، ما اعتبره أبناء العشائر في تلك المنطقة مبررا لأن تعود تلك الاراضي بطبيعة الحال لأصحابها الاصليين بناء على العرف العشائري.

وعلى الرغم من تفاقم مشكلة الواجهات العشائرية في مختلف المناطق الأردنية إلا أن مشكلة هذه العشائر  تختلف عن مثيلاتها في المملكة بسبب كبر مساحة واجهتها التي تطالب بها والتي تبلغ أكثر من 50 ألف دونم تمتد من أطراف مدينة الشرق “معسكرات الزرقاء العسكرية سابقاً” وفي منطقة شارع ال100متر الدولي الذي يربط محافظة الزرقاء بالمفرق ويصل إلى الحدود السورية، ووقوع هذه الواجهة في منطقة ارتفعت أسعار الأراضي فيها بسبب وجود جامعات ومنشآت خدمية وامتداد للزحف العمراني لمحافظة الزرقاء على أطراف وقرب الواجهة العشائرية.

وبدأت مطالبات هذه العشائر بواجهاتها تتفاقم منذ العام 2011  بعد أكثر من عشرة أعوام من قرار رفع اليد من قبل القوات المسلحة عن تلك الواجهات. ونفذ أبناء الخلايلة والزواهرة اعتصاماً مفتوحاً في منطقة الأراضي التي يعتبرونها ملكا طبيعيا لهم قرب جامعة الزرقاء الخاصة المقامة على تلك الاراضي. ونتج عن هذا الاعتصام لقاء مندوب عن الديوان الملكي وهو الشريف فواز الزبن بممثلي العشيرتين وأبلغهم صدور قرار ملكي بتفويض هذه الأراضي لأصحابها التاريخيين تمهيداً لإعادة تقسيمها وتوزيعها بين المستحقين الذين بلغ عددهم حوالي 70 ألفا للإفادة من هذه الأراضي. إلا أن أبناء هذه العشيرة تفاجأوا بأن ما نسبته 80 % من واجهتهم باتت من دون علمهم السابق مستملكة لجهات عديدة منها أكثر من 1000 دونم لصالح جامعة الزرقاء الخاصة و”بعض الجهات العليا المتنفذة” بحسب السيد عادل الخلايلة أحد نشطاء حراك عشيرة الخلايلة وأحد الممثلين للمطالبين بالواجهة الشرقية.

وبالرغم من بقاء 10 ألاف دونم من أصل 50 ألفا إلا أن الأمر بالتفويض الذي صدر بناء على ما نقله مستشار الملك للشؤون العشائرية فواز الزبن والذي أبلغ المتظاهرين بصدور التوجيهات الملكية بتفويض الاراضي لعشائر بني حسن وفق الية قانونية والتبليغ الذي نشرته وسائل الإعلام المحلية، إلا ان القرار لم يدخل حيز التنفيذ وتم التراجع عنه مما تسبب بتصعيد ميداني من قبل أبناء العشيرة وخصوصاً جيل الشباب ما بين سن 18-25 عاماً.

ويقول الناشط عادل الخلايلة إن أهم أسباب المطالبة بهذه الواجهة بالإضافة إلى الحق التاريخي لهذه العشائر هو مشكلة السكن التي يعاني منها الجيل الجديد من شباب العشيرتين حيث لا يجد الشباب مسكناً ولا ضماناً لمستقبلهم ناهيك عن مشكلة البطالة المتفشية في المملكة بشكل عام وفي أوساط الخلايلة والزواهرة بشكل خاص. وأكد الخلايلة أن من يملك المسكن من أبناء العشيرة مستعد لأن يتنازل عن حصته لمن يعاني من ظروف مالية صعبة.

 أما عن الأثر الاجتماعي، قال الدكتور أحمد فاخر وهو طبيب يملك عيادة في منطقة عوجان، مركز العشيرتين منذ أكثر من 30 عاماً، وهو عضو الأمانة العامة لحركة اليسار الاجتماعي الأردني إن المطالب لأبناء عشائر الخلايلة والزواهرة وكافة العشائر الأردنية “هي حقوق تاريخية لهذه المجموعات السكانية، تم انتزاعها منهم لأسباب قبلوا بها عن طيب خاطر (إقامة معسكرات للجيش العربي) في حالة هذه العشائر في حينه”.

 ولكنهم، وبعد قرار إزالة المعسكرات ابتداء من عام 2000، فإنهم “يشعرون بإنهم يملكون الحق في استرجاعها وقد تسبب انتزاع الأراضي منهم وإعطائها لآخرين بزيادة مشاكلهم الاجتماعية في ظل تنامي أعدادهم وارتفاع نسب البطالة بين الشباب وانعدام الفرص أمامهم في تأمين مستقبلهم فيما يتعلق بالسكن الكريم”. كما انهم “يشعرون بالغبن والظلم في ضوء تمليك هذه الأراضي لمجموعات وشخصيات متنفذة لا تملك الحق فيها.”

 ومما يدلل على صحة هذه المزاعم انه تم مؤخرا الاستيلاء على قطعة أرض كانت الدولة قد استملكتها بمساحة 5 دونمات تقريباً وإعادت توزيعها على عشرات الشباب ممن لا يملكون أي أراضي وليس لديهم فرصة السكن، شريطة أن يقوموا بالبناء عليها رغم تناقض ذلك مع مواقف الدولة وقوانينها. وقد بدأت تلك المجموعة من الشباب فعلاً في إنشاء مساكن صغيرة على مساحات تبلغ حوالي 100 متر، حيث يتجمع المئات من الشباب الآخرين في أجواء احتفالية لمساعدتهم وحمايتهم من تدخل الدولة، مما يشكل تجربة جديدة استنبطها الشباب الأردني لحل مشاكله الخاصة رغماً عن الدولة. وينذر هذا المثال بتعميم هذا التجربة إذا لم تقم الدولة بخطوات تحل مشاكل الشباب وتعمل على تأمين مستقبلهم بالسكن الكريم والعمل.وبالتالي قد يتحول ما يبدو انه جزء من خطوة نحو حل المشكلة الى  تصاعد العنف المجتمعي باعتبارها الوسيلة الوحيدة المتوفرة لديهم لحل مشاكلهم الاجتماعية والتي يعتبرون انها من صنع الدولة.

من جهة أخرى تباينت المواقف القانونية بشأن موضوع الواجهات العشائرية. فالدكتور عاكف الزعبي، وزير الزراعة السابق يبين في مقال نشره في يومية “الغد” أن موضوع الواجهات وإقرار اﻟﺪوﻟﺔ بالواجهات العشائرية هو “إقرار شفوي بحقوق اﻠﻌﺸﺎﺋﺮ ﻓﻲ اﻷراﺿﻲ اﻟﻤﺤﯿﻄﺔ ﺑﻤﻮاﻗﻊ ﺳﻜﻨﺎھﺎ لا الأراضي المقسمة وجاهياً والمتعارف عليها بين القبائل والعشائر قبل نشوء الإمارة”.

ويضيف الزعبي: “ﺣﺘﻰ ﺻﺪور ﻗﺎﻧﻮن ﺗﺴﻮﻳﺔ اﻷراﺿﻲ واﻟﻤﯿﺎه في اﻟﻌﺎم 1952 ﻟﻢ ﺗﺘﺮﺗﺐ في الواقع أية ﺣﻘﻮق ﻗﺎﻧﻮﻧﯿﺔ ﻟﻠﻌﺸﺎﺋﺮ بهذا اﻟﺨﺼﻮص، وظﻞ مفهوم الواجهات اﻟﻌﺸﺎﺋﺮﻳﺔ ﺣﺘﻰ اﻟﻌﺎم 2000 ﻣﺤﻜﻮﻣﺎً بوجهتي نظر: اﻷوﻟﻰ ﻟﻠﻌﺸﺎﺋﺮ، وﺗﺮى فيها ﻣﻠﻜﯿﺔ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ يمليها اﻷﻣﺮ اﻟﻮاﻗﻊ؛ واﻟﺜﺎﻧﯿﺔ ﻟﻠﺪوﻟﺔ وﺗﺮى فيها ﻣﻠﻜﯿﺔ ﻗﺎﻧﻮﻧﯿﺔ ﻟﺨﺰﻳﻨﺔ اﻟﺪوﻟﺔ، ولكنها ﺗﺒﺪي اﺳﺘﻌﺪاداً لتمليكها ﻟﻠﻌﺸﺎﺋﺮ ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﻤﺒﺪأ وعلى أساس التقسيمات الوجاهية القديمة” .

من ناحية قانونية أخرى يتطرق اللواء المتقاعد محمد البدارين، الذي يعتبر أحد رموز عشائر بني صخر إلى ناحية قانونية أخرى بالإضافة إلى الاعتراف الضمني والإقرار الشفوي من الدولة بهذه الواجهات. فيذكر ويؤكد أن المواثيق الدولية تكفل الحق القانوني للعشائر الأردنية بأراضيها التاريخية ومنها الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية الشعوب القبليّة ويذكر في مقال خاص بهذا الموضوع أن العشائر الاردنية التي كانت تعيش في هذه البلاد عند رسم حدود الدولة الاردنية الحالية “لها الحق بالعيش وفق اعرافها ولها الحق بحماية بيئتها والتكلم بلهجاتها وارتداء ازيائها من دون ان يسخر منها احد ، و لها الحق بتملك واستغلال كافة الاراضي التي كانت تعيش فيها عند رسم الحدود وإنشاء الدولة”. ويذكر البدارين أن الحق مكفول وفق (اتفاقيات منظمة العمل الدولية الخاصة بالشعوب الاصلية والقبلية 1957، 1989 واعلان هيئة الامم المتحدة الخاص بهذا الشأن) وبخصوص الاراضي تحديدا فان المادة 14 من الاتفاقية الدولية رقم 169 لعام 1989 الخاصة بحماية الشعوب القبلية “تنص على الاعتراف بحقوق الشعوب الاصلية والقبلية في ملكية وحيازة الاراضي التي تشغلها تقليديا.”وفضلا عن ذلك تتخذ تدابير في الحالات المناسبة لحماية حق الشعوب المعنية في “الانتفاع من الاراضي التي لا تشغلها وانما اعتادت دخولها من اجل انشطتها المعيشية والتقليدية وتولي في هذا المجال عناية خاصة للشعوب البدوية وللمزارعين المتنقلين. وهذا ما ينطبق تماماً على الكثير من الواجهات العشائرية في المملكة التي كانت تستعمل لزراعة الحبوب من قمح وشعير وتستعمل لرعي المواشي.

يبقى موضوع الواجاهات العشائرية موضوعاً شائكاً ومعقدا بسبب عدم استناد المطالبين الى ركيزة قانونية صلبة،  مما يجعل السمة الرئيسية لمطالبهم مشوشة وغير واضحة بسبب مطالب بأراضٍ غير مسجلة وتعود ملكيتها لخزينة الدولة. ومن ناحية أخرى لا يمكن للدولة أن تقوم بتوزيع ملايين الدونمات على أساس معرفة شعبية معتمدة على الذاكرة تعود إلى بداية القرن الماضي وعلى أعداد تضاعفت عشرات المرات منذ ذلك الوقت، مما قد يسبب استنزافاً لموارد الدولة المنهكة اساسا.

في المقابل، ثمة رأي مغاير للطروحات السائدة، وهو ما يقدمه الدكتور جهاد الشوارب، رئيس المنتدى الاجتماعي الأردني، والذي أكد بدوره على أن المطالبات بالواجهات العشائرية على أساس أعراف وجاهية انقضت منذ عشرات السنين تبدلت خلاله الأوضاع القانونية والأحوال الدستورية ليست منطقية أبداً.” واعتبر ان  استملاك ألاف الدونمات من أراضي الخزينة لا يسبب سوى المزيد من التفاقمات في الأزمة الاقتصادية وإضعافاً للخزينة، مشيرا الى أن المطالب بالسكن الكريم مشروعة “ولكن الطريقة خاطئة فالحق بالسكن والعمل والحياة الكريمة هو ما يجب أن يُطالب به الناس من الدولة ،دولة القانون والقائمة على أساس دستور وعقد اجتماعي جديد بدل كافة الأعراف الوجاهية التاريخية”. وشدد على ان توفير السكن  “حق يجب أن تكفله الدولة،” لكنه تساءل: “لو افترضنا أن المطالبة بهذه الواجهات هو بسبب عدم توفر السكن وأن من يريد هذه المساحات (من الاراضي) يريدها من أجل السكن،  فما الضامن بعد تمليك هذه الأراضي أن لا يبيعها أصحابها إلى مستثمرين بدلا من إنشاء المساكن؟”

ويؤكد الشوارب أن حق تملك قطعة أرض لأبناء العشائر الكبيرة يشكل ايضا “اجحافا بحقوق بقية أبناء الشعب الأردني من كافة المناطق والأصول وخصوصاً العشائر والعائلات التي لم تكن تمتلك واجهات كبيرة أواية اراض بالاصل”..

 واعتبر ان على الدولة أن تقوم بوضع خطط تنموية في المساحات الشاسعة واستثمارها فيما يعود بالنفع على أبناء الأردن جميعاً من دون تمييز “بدلا من ان تقسم أراضي الدولة كإقطاعيات انقضى عصرها بتحرير الأردن من الاحتلال العثماني وإنشاء الدولة الحديثة.

 “تم إعداد هذا التحقيق من قبل فريق مشروع حوكمة، وهو برنامج اعلامي استقصائي أطلقته مؤسسة طومسون رويترز في الاردن بالشراكة مع شبكة “أريج” إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية.”

تعليقاتكم

الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2015