تحقيقات

رائحة الموت: مصنع البرومين قنبلة موقوتة وسط تجمعات سكانية

حوكمة – ريماز موسى – 


بدأ سكان المناطق المجاورة لمصنع “البرومين” في غور الاردن، بمحاذاة شاطئ البحر الميت، بالتأقلم مع الروائح الكريهة المنبعثة من المصنع وسط مخاوف مما يصفوه بالقنبلة الموقوتة. وجاءت التسمية هذه بعد معرفة اهل المنطقة بأن المصنع المقام في مناطقهم (غور النميرة وغور المزرعة) يعد من أخطر المصانع في العالم وأن أي تسرب لغاز البرومين من داخله قد يتسبب بالموت لمن يستنشقه بحسب خبراء في المجال البيئي.

واضافة الى ذلك الخوف، يتسائل كثيرون، من بينهم سامي، وهو أحد سكان القرية المجاورة للمصنع، حول ما اذا كانت نفايات المصنع تتسبب بأمراض السرطان المنتشرة نوعا ما في المنطقة. ويروي بأن مناطقهم قد سجلت أعلى نسب للإصابة بمرض السرطان في جنوب المملكة بحسب تقارير صادرة من وزارة الصحة الأردنية.

د. عمر النمري، رئيس قسم مكافحة السرطان في وزارة الصحة الأردنية يبين من جانبه “بأنه لم يتم تحديد نسبة الاصابة بمرض السرطان في مناطق الأغوار وأن آخر احصائية اجرتها الوزارة على صعيد المحافظات كانت في العام 2010 وهي التي تبين بأن نسبة المصابين بمرض السرطان في محافظة الكرك التي تقع فيها مناطق الأغوار تعتبر مرتفعة نسبيا مقارنة بباقي محافظات الجنوب. وبالرغم من ذلك قد تكون تلك النسبة اعلى من الرقم المذكور في الاحصائية وذلك لأن أغلب المرضى المصابين بمرض السرطان في محافظة الكرك أو غيرها من محافظات الجنوب يتم ربط مكان اقامتهم بالعاصمة عمان وذلك بسبب تلقيهم العلاج في مستشفيات العاصمة، مما يجعل وزارة الصحة غير قادرة على تقديم احصائيات دقيقة”

مصنع البرومين 

هو مصنع استثماري نتج عن شراكة بين شركة ” البيمارل” الأمريكية وشركة البوتاس الاردنية التي تمتلك الحكومة جزءا من أسهمها .
وفي العام 2003 رعى الملك عبدالله حفل افتتاح المصنع بحضور كل من
رئيس الوزراء آنذاك على ابو الراغب ووزير الصناعة والتجارة الدكتور صلاح البشير ومحافظ الكرك عبد الستار الخرابشة بحضور مدير عام المصنع المهندس أحمد خليفة.
وأعلنت ادارة المصنع عن اهداف الانتاج التي تتمحور حول تصنيع مادة البرومين الاساسية ومشتقاتها التي تستخدم في العديد من الصناعات والقطاعات الاقتصادية الهامة مثل الصناعات الكيماوية والإنشائية والاتصالات والمنسوجات وأعمال حفر آبار البترول والتصدير وتعقيم المياه وغيرها.

ويشرح الدكتور أحمد عواد  بأن “البروم كلمة أصلها اغريقي “بريموس ” وتعني الرائحة النتنة ووصف البروم بأنه عنصر هيلوجيني خطر مؤذي لجلد الانسان كما أن ابخرته تسبب الاذى للحلق والعين وقد يؤدي تسربه من المصنع الى حدوث كوارث بيئية “.


رائحة الموت

“أدعوك للمجيء الى غور المزرعة لاستنشاق رائحة الموت…. ”
تلك هي الدعوة التي تلقاها كاتب التحقيق من قبل أحد سكان المنطقة بعد سرده لمعاناتهم مع المصنع واحتجاجات السكان التي بدأت منذ تشييده ولكن دون جدوى.
وبالفعل عند زيارة المنطقة السكنية تبين أن هنالك رائحة كريهة شبيهة بتلك الرائحة المنبعثة من الكلور , وبعد مقابلة عدد كبير من أفراد المجتمع المحلي أكد الجميع خوفهم من الضرر الذي قد يتسبب به مصنع البرومين المجاور.

جعفر الشعار، ناشط اجتماعي من سكان المنطقة ومن مؤسسي المجموعة المناهضة لوجود المصنع في منطقتهم يشرح معاناة اهل المنطقة مع مصنع البرومين وبين بأنهم قد بدأوا بموجة من الاحتجاجات منذ اقامة المصنع ولكن من دون استجابة الجهات الرسمية.

ويوضح الشعار بأنه قد تم تنظيم مجموعة من المحتجين على اقامة هذا المصنع بسبب اضراره على البيئة المجاورة له , وأنهم قد قاموا بالاعتصام لأكثر من مرة أمام المصنع وبمشاركة عدد من الخبراء البيئيين في الأردن .

المصنع يتوقف عن العمل عند هبوب الرياح باتجاه اسرائيل! 

وأشار الشعار في حديثه الى أنهم، اي سكان المنطقة، ومن خلال مراقبتهم لعمل المصنع تفاجئوا بانه يتوقف عن الانتاج أثناء هبوب الرياح الشرقية الشمالية. وعند استفسارهم وتقصيهم عن السبب تأكدوا بأن المصنع يقوم بإيقاف آلاته عن العمل لتجنب وصول غبار المصنع الى اسرائيل في الجانب الآخر من البحر الميت.
وعند التواصل مع موسى (اسم مستعار للحفاظ على أمن وظيفة المصدر) وهو أحد العمال من داخل المصنع ، أكد رواية السكان حول ايقاف آلات المصنع عند هبوب الرياح باتجاه اسرائيل وأضاف بان “آلات المصنع لا تعود للعمل إلا عند عودة مجرى الرياح الطبيعي” .

ويكمل جعفر أنهم، اي سكان غور المزرعة، وبعد عدة أعوام من الاحتجاجات التي لم تؤثر على عمل المصنع بدأوا يشعرون باليأس خصوصا بعد استنتاجهم من خلال تجربتهم الاحتجاجية بان المصنع لن يغير شيئا في آلية عمله التي تضر السكان وتدمر البيئة المحيطة بهم.  بل بدلا من الاستجابة للاحتجاجات، انتهجت ادارة المصنع الية غريبة لتهدئة المحتجين عبر تقديم الدعم المالي للجمعيات الخيرية في قريتهم على الرغم من أن مطلبهم الرئيسي كان بسيطا وليس بالتعجيزي ألا وهو ايجاد جهة دولية محايدة لقياس الأثر البيئي للمصنع على قراهم والبيئة المحيطة بهم “. 


مخالفات كادت تتسبب بكوارث

وعلى الرغم من تسجيل المصنع للعديد من المخالفات البيئية والتي اعتبرها خبراء في هذا المجال “بالمخالفات الكارثية” لكن المصنع لا يزال يعمل وفق نفس الآلية دون وجود حسيب أو رقيب .

الخميس 10 -3-2011

لم يغب هذا التاريخ من ذاكرة سكان منطقة غور المزرعة ، خصوصا لما يرتبط به من ذكرى لواقعة كادت بأن تهدد حياة عدد من ابناء المنطقة بسبب حالات اختناق نتيجة قيام المصنع بحرق نفايات خطرة في مكب نفايات غير مخصص لتلك الغاية،  حيث تم تسجيل عدة حالات اختناق نقلت الى المستشفيات المجاورة في محافظة الكرك لتلقي العلاج وسط ذهول الاطباء من الاعراض التي كان يعاني منها المرضى. ويبين أحد ذوي المصابين “في البداية تم الاشتباه بأن تلك الحالات مصابة بالتسمم الغذائي وذلك لتشابه الاعراض لدى جميع المصابين ولكن ما تبين للأطباء بعد اجراء الفحوصات الطبية اللازمة هو أن الحالات المرضية مصابة بتسمم واختناق ناتج عن استنشاقهم ” أدخنة السامة “.
وكان تبرير ادارة مصنع البرومين بأن متعهد التخلص من النفايات قام بإحراق شحنة عن طريق الخطأ في مكب تابع للشركة في منطقة ذراع البحر الميت ما تسبب في حالة من الارتباك لدى ادارة المصنع ووزارة البيئة التي وصفها يوسف، أحد سكان المنطقة، ب” الوزارة الغائبة ” .
بعد هذه الحادثة قامت وزارة البيئة ولأجل طمأنة المجتمع المحلي في الأغوار بالإعلان عن عزمهم تركيب مجسات لقياس نسبة تسرب الغازات السامة من المصنع.
ويؤكد المهندس جبر درادكة مدير مديرية الرصد والتقييم في وزارة البيئة بان
” الوزارة قد قامت بتركيب مجسات قياس تسرب غاز البرومين في المصنع عام 2012 وأن هذه المجسات لا تستطيع أن تظهر أي مخالفات قد يرتكبها المصنع سوى وقوع حالات تسرب غاز البرومين القاتل “.
ويكمل درادكة “لو حدث أي تسرب لغاز البرومين من المصنع ستقع كارثة كبيرة تتسبب بحالات وفاة لعمال المصنع الاهالي من سكان القرى المجاورة , وأن مصنع البرومين يتبع اجراءات صارمة للوقوف دون حدوث أي تسرب لغاز البرومين ”
وعند سؤال المهندس درادكة رئيس مديرية الرصد والتقييم البيئي في الوزارة حول المخالفات الحالية للمصنع وشكاوي المواطنين أكد وجود بعض الغبار والدخان الاحمر الذي يتصاعد من المصنع في الوقت الحالي وأن الوزارة قد اتفقت مع ادارة المصنع على معالجة هذه المشكلة قريبا .
وحول ماهية هذا الغبار والدخان الأحمر أجاب درادكة بأنه لا يعلم، مبررا ذلك بأنه مهندس صناعي وليس مهندسا بيئيا!

وزارة البيئة ومخالفات المصنع

على الرغم من مخالفات المصنع واعتراف الجميع بخطورة وجوده بالقرب من مناطق سكانية، يقول نسيم عنيزات،  المستشار الاعلامي لوزير البيئة ردا على اسئلة كاتب التحقيق بأن ” شركة برومين الأردن حاصلة على كافة التراخيص القانونية لجميع مرافق المصنع وأن وزارة البيئة تعمل على المتابعة والتدقيق استنادا الى دراسات تقييم الأثر البيئي ، ونظرا لخطورة المواد الكيميائية على الصحة والسلامة العامة للإنسان والطبيعة فقد قامت الشركة بربط المصنع مع وزارة البيئة بنظام الكتروني بحيث تستطيع الوزارة معرفة فيما اذا كان هنالك تسرب لغاز البرومين ومعالجة الموقف ”
وعند سؤال وزارة البيئة حول المخالفات التي تلقاها المصنع والإجراءات المتبعة بحقه تبين بأن الوزارة لم توجه أي مخالفة للمصنع منذ اقامته.
وبينت الوزارة بأن آخر زيارة للمصنع كانت قبل حوالي عام وبالتحديد في تاريخ
19-2-2013 وأنه قد تتم زيارة المصنع من قبل فريق بيئي مختص من قبل وزارة البيئة وذلك على خلفية شكوى تقدم بها المواطن “صقر الحروب” بسبب الروائح المنبعثة من المصنع , وكانت نتيجة الكشف الميداني عدم وجود أية روائح أو تسربات .
وكان المواطن جعفر الشعار قد ذكر سابقا بأن ادارة المصنع توقف الانتاج في حال وجود أي كشف ميداني .
ولكن بعد اعتراف وزارة البيئة بخطورة المصنع وتصريح مدير دائرة الرصد في الوزارة بأن أي تسرب منه قد يكون قاتلا , يتسائل المهندس يوسف احد السكان المحليين: “هل تكفي زيارة واحدة في العام لمصنع يصفه بالقنبلة الموقوتة ؟”

يبين الخبير البيئي سفيان التل بأن على وزارة البيئة أن تقوم بكشف دوري ومستمر للمصنع لأجل التأكد من الالتزام بتطبيق اتفاقية بازل للنفايات الخطرة التي تبين الاجراءات الدقيقة للتخلص من النفايات الخطره ومنع تكرار واقعة حرق النفايات الخطرة في المناطق المجاورة للمصنع والتي قد تتسبب بكارثة انسانية وأن جميع القوانين والأنظمة البيئية العالمية تمنع دفن او حرق هذه النفايات الا في اماكن مخصصة لتلك الغاية وأن على المصنع الالتزام بنقل نفاياته الخطرة الى مكب نفايات القطرانه المخصص لتلك الغاية.

أجهزة رصد مغلقة !

تمكن كاتب التحقيق من الاطلاع على غرفة الرصد الذي تتحدث عنها الوزارة وكانت جميع الأجهزة الموجودة لا تعمل على الرغم من وجود جميع الموظفين العاملين في مديرية الرصد وعلى رأسهم المدير المهندس جبر الدرادكة .
وقام المسؤولون بمحاولة تشغيل الأجهزة أمام الكاميرا واستغرق منهم ذلك أكثر من نصف ساعة .

أجهزة الرصد المغلقة

دراسة أثر بيئي لتوسعة المصنع

 قام مصنع برومين الأردن مؤخرا بإجراء توسعة للمصنع وسط احتجاجات مستمرة من قبل سكان القرى المجاورة للمصنع.

ويستوجب قانون البيئة الاردني عدم ترخيص أي مصنع دون وجود دراسة الأثر البيئي له، وهو ما قامت به ادارة المصنع للحصول على ترخيص التوسعة ، حيث قامت مؤسسة “الروابي للاستشارات البيئية والطاقة ” بإجراء دراسة مفصلة للأثر البيئي للتوسعة

مقدمة دراسة الأثر البيئي لتوسعة مصنع برومين الأردن

المهندس حامد العجارمة مدير عام المؤسسة القائمة على دراسة الأثر البيئي للمصنع يؤكد بأن المصنع لا يسبب ضررا على القرى المحيطة به وينفي وجود أي تسربات لغاز البرومين من المصنع وأن “أي تسرب لغاز البرومين سيكون قاتلا , ولو كان هنالك تسربات ستقع العديد من الوفيات بسببه وسيكون أولهم عمال المصنع. ”
وعند سؤال المهندس العجارمة عن تأثير الصنع على البيئة المحيطة به نفى وجود أي تأثير حالي .

جزء من دراسة الاثر البيئي

تبين دراسة الأثر البيئي أن هنالك تأثير قليل على مصادر المياه الجوفية في المنطقة 

وتعليقا على هذا التأثير القليل يرى الخبير البيئي موسى مسلّم بأن الدراسة لم توضح مدى هذا التأثير القليل ودرجته حيث ان هنالك احتمال الاضرار بمصادر المياه بالرغم من نسبته القليلة موضحا بأن مادة البرومين لا تتشابه وغيرها من المواد الكيميائية الخطرة ، حيث تعد من المواد التي قد تكون قاتلة ما اذا حدث أي تسرب حتى ولو كان قليلا.

المصنع يرفض التعليق

للوقوف على المعلومات السابقة، حاول كاتب التحقيق وعلى مدار أكثر من اسبوع التوصل الى أي تعليق من قبل ادارة المصنع ولكن كانت الاجابة من قبل ناهض أبو بكر، مدير الانتاج في المصنع، بأنه “من غير المسموح له أن يصرح بأي معلومة للجهات الاعلامية ”
وكانت الاجابة ذاتها من قبل السيد عبدالله مصاروة أحد الاداريين في المصنع مبررا عدم اجابته أو تعليقه على اي استفسار بان المهندس أحمد خليفة، المدير العام، هو الشخص الوحيد المخول بالإجابة .

وبعد تواصلنا مع شركة ” البيمارل ” التي تعد المسؤول الرئيسي للمصنع في الولايات المتحدة الأمريكية , تم ايصالنا مع السيد جوزيف هاملين الذي  طلب منا امدادهم ببريد الكتروني يحتوي استفساراتنا وأن الاجابة ستكون خلال 45 دقيقة , وبالرغم من ارسالنا للاستفسارات التي تتمثل بالسؤال عن مدى خطورة المصنع على القرى القريبة ، إلا اننا لم نتلق أي تعليق من قبلهم لغاية الآن .

 تم إعداد هذا التحقيق من قبل فريق مشروع حوكمة، وهو برنامج اعلامي استقصائي أطلقته مؤسسة طومسون رويترز في الاردن بالشراكة مع شبكة “أريج” إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية.”

تعليقاتكم

الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2015