تحقيقات

معان: أزمة امنية مستمرة .. فرط استخدام القوة الامنية يتسبب بوقوع قتلى

حوكمة – ريماز موسى – 

في قلب الصحراء الأردنية وعلى بعد حوالي 250 كم عن العاصمة عمان تقع مدينة معان الصحراوية ، ولكن ما يميز معان أكثر من صحرائها  هي التوترات الشبه دائمة بين سكان المدينة والجهات الأمنية والتي قد يسميها البعض “توترات دامية ” وذلك بسبب عدد القتلى الغير طبيعي سواء كانوا من أهل معان أو من مرتبات الجهات الأمنية في المدينة .
خلال أقل من عام حدثت عدة مداهمات أمنية واشتباكات بين الأهالي والجهات الأمنية في المدينة وقع على اثرها سبعة قتلى من شباب المدينة كان آخرها مطلع تشرين الثاني 2014 حيث قامت دورية من مرتبات البحث الجنائي في المدينة بملاحقة شاب ثلاثيني على خلفية طلب قضائي بحقه بسبب مشاجرة كان قد خاضها قبل عدة أشهر وما كان من الشاب إلا ان قام بالهرب من الدورية ليصاب بعدة رصاصات تسببت في مقتله.

19-3-2013  مقتل طفل وأحد المطلوبين أثناء مداهمة امنية في مدينة معان

من هنا انطلقت شرارة التوترات في مدينة معان حين قامت فرقة أمنية خاصة بمداهمة أحد المنازل حيث كان يختبئ ” أحمد العزب” المطلوب على خلفية قضية مقتل ملازم من مرتبات البحث الجنائي.

“ديروا بالكم في مداهمة ” بهذه الكلمات بدأت تلك الليلة الدامية ، قد تكون هذه الكلمات متداولة بين العصابات أكثر من تداولها بين عامة الشعب ، ولكن في مدينة معان قد تسمع هذه الكلمات في أي لحظة ودون استغراب وحسب أحد سكان المدينة فأنهم يخافون بسبب فرط استخدام القوة أثناء المداهمات التي قد ينعكس أثرها على المواطنين الأبرياء .
في تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل تلقى كاتب التحقيق اتصالا هاتفيا من أحد السكان في معان يخبره عن بدء المداهمة والتي تبين بأنها قائمة في “منطقة الطور ” احدى المناطق النائية في المدينة، وعند الوصول الى موقع المداهمة كانت ساحة الحرب قد اشتعلت وكانت الاشتباكات قائمة بين السكان وبين الجهات الأمنية .

مقتل طفل أثناء المداهمة الأمنية

حسب الرواية الأمنية فأن العزب لم يمتثل لأمر الاعتقال وباغتهم بإطلاق النار مما دعاهم للرد بالمثل وتسبب هذا الرد بمقتل المطلوب ومقتل الطفل ” راكان عصري ” ابن الثلاثة عشر عاما .

عند وصول كاتب التحقيق الى المكان الذي تمت مداهمته كانت الاشتباكات قد بدأت بين ذوي الطفل المقتول وبين مرتبات الأمن العام حيث استمرت هذه الاشتباكات المسلحة حتى الفجر .

من هنا بدأت الساحة الشعبية في معان بالتأزم لتتحول قضية مقتل الطفل الأعزل الى قضية رأي عام في مدينة معان، فقد قام أبناء المدينة بعدة وقفات احتجاجية سلمية صحبها العديد من الاجتماعات الأمنية لاحتواء الموقف و تهدئة الشارع في المدينة .

صورة الطفل راكان الذي قتل اثناء المداهمة الأمنية

rakan

“انه قانون الغاب وان الجهات الأمنية تفرط باستخدام القوة في معان ” هذا ما قاله عم الطفل راكان لكاتب التحقيق أثناء جولة استمرت لأكثر من ثلاث ساعات روى من خلالها ما يظنه السبب باستهداف منزل اخيه حيث أنه قد أشار الى” أن المطلوب قد كان ضيفا في منزل اخيه وان الجهات الأمنية لم تراعي وجود الأطفال في المنزل وأن أخاه ليس مطلوبا على أي قضية أمنية ولكن الجهات الأمنية ترغب في فرض القوة المفرطة في معان لتقوم بترهيب سكان المدينة “

تمكنت الجهات الأمنية ومن خلال المحافظ وكبار شيوخ المدينة من تهدئة الشارع نوعا ما وذلك من خلال وعودهم بفتح تحقيق حول ملابسات المداهمة ، وعادت الأمور الى مجراها في المدينة وسط حذر شديد من قبل جميع الأطراف “الشعبية والأمنية”

28-5-2013  مقتل اثنان وإصابة آخر من شباب معان على يد قوة أمنية أثناء مطاردة في منطقة الرشادية 

ما ان انتشر الفيديو الذي يبين التمثيل بجثث اثنين من ابناء مدينة معان بعد مقتلهم أثناء مطاردة أمنية في منطقة الرشادية حتى اندلعت الشرارة من جديد معلنة بداية حرب جديدة بين اهل مدينة معان وبين القوى الأمنية .

وقد أتت الرواية الأمنية بأن” ثلاثة أشخاص كانوا يحاولون السرقة تحت تهديد السلاح وقامت القوات الأمنية بتلقي بلاغ دعاها لإرسال قوة أمنية الى موقع الحادثة ولكن الشبان لم يمتثلوا لأوامر الأمن وحدثت اشتباكات بين الطرفين نجم عنها مقتل اثنان وإصابة الثالث”

هذه المرة توسعت دائرة الاحتجاجات في معان لتشمل حالات من الشغب وإطلاق العيارات النارية وحرق بعض المنشآت الحكومية وإعلان حالة العصيان المدني في المدينة خصوصا بعد توارد بعض الأخبار من قبل الشاب المصاب والذي روى لذويه ما قامت به الجهات القوى الأمنية التي كانت تطاردهم .

توجه كاتب التحقيق الى مستشفى الاسراء حيث كان يرقد المصاب عبد المالك الفناطسة تحت حراسة أمنية مشددة ونجح بمقابلة عبد المالك وذويه وذلك بعد الاتفاق مع أحد اخوته بإقناع الجهات الأمنية بأنه من أقارب المصاب.

رواية عبد المالك وذويه تناقضت مع الرواية الأمنية حيث كان عبد المالك يوجه الكثير من الاتهامات للأجهزة الأمنية .
لم يستطع كاتب التحقيق من الاستماع للشهادة الكاملة من قبل المصاب وذلك بسبب وجود عدد كبير من ضباط وأفراد الأجهزة الأمنية داخل غرفة العناية المركزة والذين قاموا بمنع المصاب من الحديث .

ولكن يروي رائد الفناطسة وعلى لسان أخيه المصاب رواية الفيديو الذي فجر أحداث معان كالتالي :

“تلقيت اتصالا هاتفيا من أخي عبد المالك وكان يستنجد بي ويخبرني فيه بأن أحد القوى الأمنية تقوم بمطاردتهم تحت وابل من الرصاص، فقمت أنا وبعض أقاربي بالتوجه الى الجهات الامنية في معان وطلبنا منهم التدخل لكي يسمحوا لأخي ومن معه بتسليم أنفسهم ولم نغادر الا عند تأكيدهم لنا بأنهم سيقومون بذلك”
ويكمل الفناطسه ” وعند عودتنا الى منازلنا كنا قد فقدنا الاتصال بأخي ومن معه ليتبين لنا وبعد عدة ساعات بأن أخي قد تلقى رصاصة في عينه واثنتان في قدمه ويده وكانت اصابته شديدة الخطورة ، أما من كانوا برفقته فقد لقوا حتفهم تحت وابل من رصاص الأمن “

لكن ما أغاظ عشائر القتلى هو ما أخبر به عبد المالك ذويه حيث يكمل الفناطسه ” عند وصولنا لمستشفى الأميرة هيا في العقبة حيث كانوا قد حولوا أخي ، كان عبد المالك يستطيع التحدث وبقدرة الهية على الرغم من اصابته الخطرة ليخبرنا وأمام الجميع بما جرى من تمثيل بالجثث من قبل المرتبات الأمنية “

كانت هذه هي رواية المصاب الذي رفض الجميع تصديقه ليتم وفي نفس اليوم نشر فيديو من قبل مجهول يبين التمثيل بالجثث ، ليتم تأكيد ادعاء المصاب وتبدأ الساحة الشعبية في معان بالتأزم و إعلان العصيان المدني احتجاجا على نهج الجهات الأمنية .
مني
بدأت الاحتجاجات تتوسع في مدينة معان وعلى حد كبير وسط تواجد أمني كثيف من قبل مرتبات الدرك ولكن ذالك زاد الأوضاع تأزما حيث بدأ مستشفى معان الحكومي باستقبال اعداد كبيرة من حالات الاختناق جراء الغاز المسيل للدموع ليس هكذا وحسب ، بل أنه وأثناء الاحتجاجات قامت المرتبات الأمنية باقتحام أحد المنازل لتقوم بالقبض على صدام البواب 18 عاما على خلفية الاشتباه به في قضية سرقة ، ولكن الشاب لم يصل الى أي مركز امني حيث أنه قد توفي أثناء اعتقاله  !ا

:وعلى الفورأصدرت مديرية الأمن العام تصريحا رسميا حول الحادثة
” قوة امنية قامت فجر الاثنين بتفيش منزل احد المطلوبين في مدينه معان بعد العثور على بصماته داخل احد المنازل المسروقة، وأن المطلوب وفور مشاهدته للقوة الامنية صعد الى سطح المنزل وقام بالقفز عن الطابق الاول محاولا الفرار إلا ان القوة الامنية تابعته وألقت القبض عليه،  وأثناء سوقه الى مديرية الشرطة ظهرت عليه علامات الاعياء حيث استدعيت كوادر الدفاع المدني وقاموا بإسعافه الى اقرب مستشفى”
ماذا بعد؟؟
كانت ردة الفعل في الشارع هي المزيد من التوتر والمزيد من الاحتجاجات والكثير من القنابل الغازية .

“حسبي الله ونعم الوكيل” هذا ما قاله أخو صدام لكاتب التقرير عندما فور مقابلته ..

أهل صدام لم يقبلوا بالرواية الأمنية وأنكروا بأن أبنهم قد كان مريضا بل انهم قد أكدوا بأن القوة الأمنية قد قامت باقتحام منزلهم “سكن كريم لعيش كريم” وقاموا بضرب صدام أثناء اعتقاله وسط صيحات اخوته الصغار التي لم تستطع أن تنجد أخيها. حاول كاتب التقرير الحصول على تقرير الطب الشرعي الذي استندت اليه مديرية الأمن العام في تصريحها ولكن طلبه قد قوبل بالرفض من قبل ادارة مستشفى معان.

خبير جنائي يشكك بالرواية الأمنية

ولكن أهل صدام قاموا بطريقتهم الخاصة بتصوير جسد جثمان ابنهم داخل المشرحه وكان الفيديو المصور يبين العديد من الكدمات على الوجه والظهر والساقين.
للتأكد من ملابسات القضية قام كاتب التحقيق  بإطلاع “عمان نت ” على الفيديو المصور لجثة الشاب صدام والتي قامت بدورها بإرساله الى خبير جنائي لأجل ابداء الرأي .
وما كان من الخبير الجنائي إلا التشكيك بالرواية الأمنية وذلك بسبب وضوح الكدمات ولكنه قد بين أيضا بان الفيديو لا يصلح للاعتماد لدى المحاكم بسبب عدم اكتمال ظروف التصوير، حيث أن الفيديو لا يبن كامل الجثة وان الجثة ليست واضحة جدا بسبب سوء الاضائة .

استمرت الاحتجاجات في المدينة وساندهم البعض في محافظات أخرى بوقفات ومسيرات احتجاجية تطالب الدولة بعدم استخدام القوة المفرطة وعدم تأزيم الشارع في معان .
وكانت من ابرز هذه الوقفات الاحتجاجية هي تلك المسيرة التي قام بها ابناء معان ممن يسكنون العاصمة عمان ، حيث قاموا بتنظيم مسيرة احتجاجية انطلقت من منطقة الهاشمي الشمالي باتجاه الديوان الملكي وقام عدد منهم برفع علم السعودية أمام الديوان وبحسب المنظمين فان هذا
التصرف قد جاء بسبب “عدم رحمة الحكومة الاردنية لأهل معان على حد وصفه”

محتجون من أهل معان يرفعون علم السعودية أمام الديوان الملكي 

maseeeerat

فترة قصيرة من الهدوء

مع بداية تموز 2013 بدأت الامور تعود الى طبيعتها وسط وعود من قبل ادارة الأمن العام بفتح مجموعة من التحقيقات حول ما اذا كانت الأجهزة الأمنية قد استخدمت القوة المفرطة في معان. وتمكن وجهاء وشيوخ المدينة من السيطرة الجزئية على الشارع في المدينة . بالرغم من الهدوء الذي عم المدينة لبضع أشهر الا أن ما حدث بقي حاضرا في حديث معظم سكان المدينة، الذين يحاولون الاستمرار بالعيش بسلام وسط المدينة الأشد فقرا وبطالة في الأردن حيث تسجل محافظة معان أعلى نسبة فقر في المملكة وفقا لدراسة الفقر الدورية التي أجرتها دائرة الإحصاءات العامة حيث تبلغ نسبة الفقر في معان 26,6% .

2014 ولا زالت التوترات مستمرة والمزيد من القتلى

في الثالث عشر من كانون الثاني للعام الجاري وقع قتيل واصيب آخر أثناء مطاردة دورية بحث جنائي لمطلوب على خلفية “مشاجرة”. وحسب ذوي القتيل عابد الفناطسة فان القوات الأمنية قاد بإرداء ابنهم بستة عيارات نارية وذلك لعدم استجابته لهم أثناء محاولة اعتقاله.

وقد جاء الرد الأمني بان المطلوب قد حاول الفرار من الدورية الأمنية وقام بالاصتدام بها مما اطرّهم لاستخدام القوة ما اسفر عن مقتل المطلوب وإصابة من معه. وبحسب ذوي القتيل فان ابنهم لم يكن يعلم بالطلب القضائي الصادر بحقه وأنه لو تم ابلاغهم لقاموا بتسليمه على الفور مع العلم ان القضية ليست سوى مشاجرة قديمة كان قد خاضها ابنهم قبل تسعة أشهر.

احدى المسيرات الاحتجاجية في مدينة معان

maserat

ولكن هذه المرة بدأت الأزمة في مدينة معان باتخاذ منحنى خطير بحسب مراقبون وخصوصا بعد ملاحظة اقبال العديد من ابناء المدينة باتجاه التيار السلفي الجهادي في المدينة وبروز راية التوحيد “راية القاعدة ” في أماكن عدة كالسوق وعلى بعض منازل السكان.

ويبرر أحد السكان ذلك بأن ” ذلك يأتي كرد فعل من بعض ابناء المدينة على ما يقاسوه من ظلم وعنف غير مبرر من قبل الجهات الأمنية” ويرى ماجد الشراري رئيس بلدية معان بأن أهل المدينة قد بدأوا بالنظر للجهات الأمنية كعدو لهم وذلك بسبب سوء الادارة الأمنية التي تسببت بوقوع العديد من الضحايا.

الأمن العام يعوض أهل القتيل بمبلغ 60 الف دينار

بعد مفاوضات واسعة وتدخل عشائري وافق ذوي القتيل الأخير عابد الفناطسة باستلام جثمان ابنهم الذي قضى مطلع كانون الثاني وقد تم عقد اجتماع خاص بالقضية في مبنى محافظة معان بوجود الادارات الأمنية وذوي القتيل حيث تم الاتفاق على دفع مبلغ 60 الف دينار لذوي القتيل بالإضافة لدفع ثمن السيارة التي قامت الدورية الامنية بإطلاق النار عليها مقابل موافقة ذوي القتيل باستلام جثمان ابنهم ، ووعدت الجهات الأمنية بفتح تحقيق للوقوف على ملابسات الحادثة.

خبير قانوني جنائي : “ما يحدث في معان جريمة أمنية وباعتراف امني”

يرى زيد النجداوي الخبير بالقانون الجنائي ” أن ما قامت به الجهات الأمنية من دفع تعويضات لذوي القتلى هو اعتراف بفرط استخدام القوة ، وأن الجهات الأمنية تقوم بدفع التعويض المالي تجنبا لرفع اي قضية من قبل ذوي القتيل ، حيث أنه ووفقا للمادة 100 والمادة 99 من اصول المحاكمات الجنائية يحق لذوي القتيل المطالبة بالتعويض في حال ثبوت فرط استخدام القوة من قبل الجهات الأمنية ”
ويكمل النجداوي في ما يتعلق بقضية الشاب صدام البواب الذي لقي حتفه اثناء محاولة اعتقاله قبل عدة أشهر بان ما حدث يعتبر انتهاك كبير لحقوق المواطن وان الجهات الامنية قد قامت بمخالفة القانون الذي ينص على  الحالات التي يحق فيها للأمن دخول المنزل دون مذكرة ، وهي إذا كان لديهم اعتقاد أن هناك جناية قد ترتكب في الداخل أو كان في الداخل أحد يستنجد بهم أو في حالة ملاحقة أحدهم ودخل المنزل “

ويكمل النجداوي أن ما يحدث في معان هو عبارة عن غلو ومبالغة في استخدام القوة من قبل المرتبات الأمنية ويبرر ذلك بعدم وعي بعض أفراد المرتبات الأمنية بحقوق المواطن وسوء الادارة الأمنية في المنطقة.

 تم إعداد هذا التحقيق من قبل فريق مشروع حوكمة، وهو برنامج اعلامي استقصائي أطلقته مؤسسة طومسون رويترز في الاردن بالشراكة مع شبكة “أريج” إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية.”

تعليقاتكم

الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2015