تقارير إخبارية

“صحافة المواطن” تتقدم لتنافس الصحافة التقليدية الرسمية وتقدم بديلا ضروريا

حوكمة – آيه عليان – 

ارتبط عام 2011  في العالم العربي بإنطلاق الثورات الشعبية والأزمات الاقتصادية وتفاقم وتيرة العنف.  لكن تحولات العقد الجديد في المنطقة  عززت ايضا من دور ما يسمى “صحافة المواطن والإعلام الجديد”، حيث برز دور وسائط الاتصال الاجتماعي وكاميرات الهواتف النقالة والمدونات وغيرها في نقل الحدث وبناء القصة الصحفية. وباتت شبكات التلفزة والمواقع الالكترونية تعتمد على وسائل الاعلام الجديدة هذه بصورة تزداد اهمية مع سرعة تطور التكنولوجيا التي وفرت تلك الوسائط الحديثة والمتطورة بإستمرار .

وكان واضحا ان تلك التطورات كان لا بد ان تأتي على حساب الدور التقليدي للصحافة الرسمية او التقليدية التي لم تعد قادرة على منافسة الكم الهائل المتوافر من المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي, رغم ان الاخيرة لا تلتزم الى حد كبير بأدبيات وقواعد العمل الصحفي وأخلاقيات المهنة المتعارف عليها.

وشكلت الحالة السورية تحديا للصحافة بشكل عام، فالنظام لم يسمح بدخول شبكات التلفزة العالمية ومراسلي الصحف ووكالات الأنباء لتغطية وقائع الانتفاضة الشعبية هناك. وكان ان تم الاعتماد بشكل كلي على شهادات مواطنين في قلب الحدث وعلى اشرطة فيديو تم تصويرها من قبل هواة ولم يتم التحقق من صدقية بعضها. وساهم التعتيم السوري الرسمي الذي تهيمن عليه الحكومة المركزية في بروز اهمية وسائل الاعلام البديلة، فيما دفعت في الوقت نفسه ببعض شبكات التلفزة والفضائيات والمواقع الالكترونية الى التضحية بأبسط قواعد المهنة في مقابل الحصول على القصة الاخبارية والسبق الصحفي بغض النظر عن صدقية مصدرها.

وهذه حالة مستجدة في عالم الصحافة وتشكل معضلة اخلاقية ومهنية.إذ كيف يتم التحقق من صدقية المصادر التي تعتمد عليها هذه الشبكات التلفزيونية والمواقع الالكترونية وفي نفس الوقت كيف يمكن تغطية الحدث بشكل موضوعي ومهني في غياب صحفيين محترفين اما بسبب الاعتماد المتزايد على “صحافة المواطن” او بسبب هيمنة حكومات قمعية على مختلف وسائل الاعلام التقليدية ما يعطي صدقية للبدائل غير التقليدية من وسائل الاعلام الجديد.

وتقوم فكرة الصحافة المدنية على أساس أن ممارسات الصحافة يجب أن لا تقتصر على نقل الأحداث والمشاكل فحسب، بل يجب مشاركة المواطنين في التغطية الإعلامية للحياة السياسية والاجتماعية، واعتبارهم مشاركين فاعلين في نقل الأحداث  ومناقشتها وتحليلها، أكثر من اعتبارهم مجرد متلقين سلبيين لما تعرضه لهم الوسائل الإعلامية من وقائع ورسائل أبطالها الإعلاميون والسياسيون والخبراء.

قامت هذه الفكرة بعد أن وسّع الإعلام التقليدي الفجوة بين المواطن والحكومة من جهة، وبين المواطن والمؤسسات الإعلامية من جهة أخرى، مما أدى إلى انخفاض مشاركة المواطنين في الحياة السياسية والاجتماعية، و أضعف من حس المواطنة الفعالة. فجاءت هذه الصحافة كحركة إعلامية إصلاحية بفضل وسائل الاتصال الرخيصة وسهلة الاستعمال التي تم تطويرها في الغرب وبخاصة الولايات المتحدة التي تعتبر مسؤولة بالدرجة الاولى عن اختراع شبكة فيسبوك وموقع يوتيوب لعرض افلام الفيديو، ومواقع تواصل اخرى مثل تويتر وانستاغرام وغيرها.

ولا ينظر “الصحافيون” عبر هذه المواقع لأنفسهم كأطراف محايدة في ما ينقلونه من أحداث، بل يعتبرون أنفسه ناشطين سياسيين واجتماعيين يهمهم أن تكون الحياة العامة بخير، فالإعلامي مواطن بالدرجة الأولى وإعلامي بالدرجة الثانية، يهمه نشر الوعي، والمساعدة في إحداث التغيير الإيجابي في مجتمعه ومناقشة الحلول الممكنة للمشاكل المطروحة.

 تمت ترجمة أفكار هذه النظرية إلى ممارسات على أرض الواقع من قبل المساندين لها والمؤمنين بها، فأصبح اهتمام المواطنين هو المحفز الأساسي لما تنقله هذه الوسائل الإعلامية، وأصبحت الوسائل الإعلامية التي تتبع هذا الفكر، ساحة لمناقشة الأمور التي تهم الناس، تأخذ بآرائهم، وتعتبر نفسها وسيلة لتحسين الحياة الاجتماعية والسياسية

والأصل في العمل الصحفي ان يتم التوثق من المصدر حفاظا على صدقية الوسيلة الإعلامية، ولهذا فإن الصحف ومحطات التلفزة الكبرى تعتمد على مراسليها وعلى وكالات انباء عالمية ببناء أركان القصة الصحفية من خبر ومعلومة واقتباس وصورة. الحالة السورية تعد سابقة لأنها كسرت هذه القواعد ولم تشكل استثناء في طريقة تغطية الحدث.

والفرق بين ما يسمى بصحافة المواطن والصحافة التقليدية يجب ان يبقى واضحا للعيان: وسائط التواصل الاجتماعي والمدونات واشرطة الفيديو المرفوعة على يوتيوب كلها تشكل وجهة نظر خاصة وغير موضوعية لأفراد بالنسبة لأحداث تتعلق بالشأن العام، إلا ان ذلك لا يعني بالضرورة انها لا تتمتع بالصدقية في كثير من الاحيان.

ويبقى واجب الصحافة التقليدية، بما فيها شبكات التلفزة الاخبارية، هو ان تواكب التطورات التكنولوجية والعمل على تقصي الحقائق من أكثر من مصدر وعرض وجهات النظر كافة بشكل متوازن وعدم الانحياز لرأي او موقف بعينه، وهذا ما يتطلب تحقيق الاستقلال المالي والسياسي وهو ما يصعب تحقيقه في مجتمعات غير ديموقراطية، تحكمها نخب تهيمن على السياسية والاقتصاد معا، ولا ترتاح لإطلاق الحرية لوسائل الاعلام ايا كانت.

“لا يجب ان تتحول الوسيلة الإعلامية لبوق دعائي او ان تصبح الوسيلة هي الرسالة “كما حذر عالم الاتصال الكندي مارشال ماكلوهان منذ عدة عقود.

الانحياز الى موقف معين ممكن فهمه في حالة التعبير عن رأي خاص من خلال مدونة الكترونية او شريط فيديو يتم توزيعه على الانترنت، لكن هذا الأمر غير مبرر أبدا بالنسبة لوسائط اعلامية جماهيرية من المفروض ان تتوخى الدقة والموضوعية في تعاملها مع الخبر كونها تؤثر في الرأي العام وتشكله.

المشكلة ان ابتعاد الصحافة التقليدية عن منظومة العمل المهني يضعف صدقيتها في نهاية المطاف.

وتؤكد ظاهرة الانفلات التي نشهدها في المواقع الالكترونية من بث للشائعات ونشر اخبار غير موثقة واغتيال للشخصية وانحياز الى موقف على حساب آخر ان الرأي العام بدأ يفقد ثقته في وسائط الإعلام بمجملها، لكنه مضطر لأن يكون مستهلكا لها رغم شكوكه العميقة.

في اميركا وجد استطلاع للرأي أجري مؤخرا أن اقل من ربع المستطلعين يعتبرون وسائط الاعلام من صحف وشبكات تلفزيونية تحظى بصدقية عالية، وقد تراجعت هذه النسبة بنحو عشر نقاط خلال العامين الماضيين وبأكثر من عشرين نقطة عن منتصف التسعينيات. ورغم غياب دراسات عربية اقليمية لتقويم نسبة صدقية وسائل الاعلام في المنطقة العربية، إلا ان الخبراء في المنطقة يؤكدون بان الوضع في المنطقة العربية بات اسوأ بكثير من اي وقت مضى في ظل دراسات تظهر تراجع حرية التعبير والشفافية والحاكمية الرشيدة في غالبية دول المنطقة خلال السنوات الثلاث الاخيرة.

تعليقاتكم

الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2015