تقارير إخبارية

القانون يمنع والمدارس تواصل ممارسة الضرب لتأديب الطلاب

حوكمة – ريماز موسى – 

إفتح ايدك: واحدة اثنتان ثلاثة أربعة، ومن ثم دمعت عينا علاء رغم محاولته الامتناع عن البكاء خجلا من زملاءه في الصف بعد تعرض للتأديب بالعصا على يد مدير المدرسه.

يروي علاء ابن الثلاثة عشر عاما معاناته  داخل المدرسة التي  تبعد عن منزله مسافة ليست بالقليلة.
علاء وثلاث من اصدقائه ابناء لعائلة بدوية تسكن وسط الجبال في جنوب الأردن، يسير يوميا مسافة ثلاثة كيلومتر ليصل  الى المدرسة، ما يتسبب في بعض الأحيان  بتأخره لعدة دقائق عن الطابور الصباحي ويكون عقابه هو أربع جلدات، يجلده إياها مدير المدرسة بعصا من الخيزران.
يكمل علاء انه وبعد تعرضه لهذا الاعتداء لمرتين خلال الفصل الأول قرر أنه لن يذهب إلى المدرسة في حال تأخره، وأنه سيعود أدراجه إلى المنزل في حال تأخره يوما عن الطابور الصباحي، مبررا ذلك بأنه يفضل أن يسجَل بحقه يوم غياب على أن يذهب و”يُجلد” بعصا المدير.
أما بالنسبة لوالدة علاء وهي ولية أمره بعد وفاة أبيه منذ عدة أعوام، تبين بدورها بان لا مانع لديها من معاقبة ابنها بالعصا حيث تعتبر أن هذا الأسلوب التربوي سيصنع منه رجلا ملتزما في المستقبل وأنَّ اخوته الذين سبقوه بالتعليم لم يشتكوا يوما بسبب تعرضهم للضرب بعكس علاء الذي وصفته بالـ”متذمر”.

بالرغم من التطور الإنساني الذي يشهده العالم يوما بعد يوم,  وظهور العديد من المنظمات الحقوقية التي تعنى بشؤون الطفل ، تبقى ظاهرة الضرب في بعض المدارس الأردنية ممارسة راسخة.

 وفي مخالفة واضحة للقانون يقوم العديد من المعلمين في المدارس الحكومية بإتباع أسلوب الضرب مع الطلاب كأسلوب عقابي على أي خطأ قد يرتكبه الطالب.

قبل أشهر تم نشر دراسة مستقلة في العديد من الصحف الأردنية بينت بأن نسبة 58 % من الأهالي يؤيدون إتباع أسلوب الضرب في المدارس.
ولكن هل للأهالي الحق في تعريض أبنائهم للأذى الجسدي؟

 يؤكد منسق الحملة الوطنية للطلاب “ذبحتونا” الدكتور فاخر دعاس انه ليس من حق ولي الأمر تعريض طفله للضرب سواء في المنزل أو في المدرسة، حيث يرى دعاس وجوب تثقيف المعلم وإلزامه بعدم إتباع أسلوب الضرب العقابي مع الطلبة مشيرا إلى “أن بعض المعلمين في المدارس الأردنية لا يوجد لديهم ثقافة تربوية تمكنهم من التعامل مع الطفل.
ويكمل الدكتور دعاس حديثة مستذكرا تواصله مع وزارة التربية والتعليم بعد إمدادهم بفيديو مصور ، يبين قيام مدير إحدى المدارس بضرب الطلاب بشكل عنيف ، ما تسبب بفتح تحقيق رسمي نُقل على اثره مدير المدرسة إلى مدرسة أخرى نقلا تأديبيا .

وبالرغم من وضوح عدم إنسانية أسلوب الضرب بحق الطفل ونبذه من قبل كافة  المنظمات الحقوقية لكن المشكلة لم تحل في الأردن خصوصا وسط تشجيع بعض الأهالي والأفراد  للمعلم على إتباع هذا الأسلوب.

 دعوة عبر التلفزيون الرسمي لتفعيل أسلوب الضرب في المدارس

في الدرس الديني الذي يسبق خطبة الجمعة والتي بثّها التلفزيون الأردني من مسجد الملك الحسين بن طلال، دعا الشيخ والخطيب الديني غالب الربابعة العام الماضي إلى تفعيل أسلوب الضرب العقابي في جميع المدارس الأردنية، حيث برر الربابعة دعوته تلك بأن  الضرب في المدارس سيحسن من أخلاق الطلبة، وأستدل في حديثه على أدلة من السنة النبوية التي تحث على الضرب لغايات التربية عند اللزوم.

مخالفة واضحة لنص القانون 

تنص المادة 49 من النظام الداخلي للمدارس بان “يمنع التفوه بالألفاظ النابية غير اللائقة مع التلاميذ ولا يجوز بأي وجه تطبيق المجازاة البدنية.”

بالرغم من وضوح المادة أعلاه إلا أن الظاهرة لا زالت قائمة وبشكل يهدد سلامة الطالب الجسدية والنفسية.
محمود أستاذ لغة انجليزية في إحدى مدارس العاصمة لا يرى أي مشكلة في استخدامه لأسلوب الضرب مع الطلبة، بل ويؤكد بأن أسلوبه التربوي ناجح ولا يؤثر سلبا على أي من الطلاب، وأن هذا الأسلوب قد استخدم معه عندما كان على مقاعد الدراسة ما جعله يحفظ دروسه بشكل جيد ويكمل مسيرته التعليمية.

أطفال يتعرضون للضرب في المدرسة بشكل مستمر

يروي الطفل يحيى معاناته داخل المدرسة بكلمات قليلة ” أصلا أنا كل يوم بنضرب، يا من المدير يا من الأستاذ.”  وعند سؤال يحيى عن سبب ضرب المعلمين بين لنا بان الضرب في مدرسته يتم على أتفه الأسباب وأن أغلب معلمي المدرسة يقومون بمعاقبة الطلاب بالضرب عند وقوعهم في أي خطأ، كعدم حل الواجب المدرسي، أو التحدث بصوت عالٍ , أو التأخر ولو لدقائق عن الطابور الصباحي.
حيث يشرح الطالب يحيى كيفية تعامل مدير المدرسة مع الطلبة الذين يتأخرون عن الطابور الصباحي, وذلك بأمرهم بالوقوف بصف واحد ليتم جلد كل منهم عدة جلدات على الأيدي، ويكمل يحيى أن أصعب دقائق في حياته هي تلك التي يقف بها منتظرا دوره لكي يعاقب بعصا المدير.
قام كاتب التحقيق باستطلاع رأي غير علمي شمل عينة عشوائية مكونة من 200 طالب من مختلف المحافظات ، حيث تبين بان أربعة من أصل كل عشرة طلاب يتعرضون للضرب من قبل المعلمين داخل مدارسهم ، ولم يتقدم أي منهم بأي شكوى بل كان أغلب هؤلاء الطلبة يظنون بأن تعرضهم للضرب في مدارسهم هو أمر قانوني لا يحق لهم الاعتراض عليه.

قانون حقوق الطفل حبيس أدراج مجلس النواب منذ 17 عشر عاما   

في عام 1997 قامت المستشارة القانونية للمجلس الوطني لشؤون الأسرة رحاب القدومي بتقديم مشروع قانون حقوق الطفل إلى مجلس النواب وذلك بعد عرضه على ديوان الرأي والتشريع الأردني ، ولكن القانون لم يناقش لغاية يومنا هذا!

وترى القدومي “أن مشروع قانون الطفل لم تتم مناقشته بسبب جديته وإلزامه لجميع الجهات المسؤولة للقيام بواجبها والحد من العنف الذي يواجهه الأطفال في المنزل والمدرسة” ، حيث انتقدت القدومي “المادة 62” من قانون العقوبات والتي تنص على “السماح بضرب الطفل بقصد التأديب وفقا للعرف،” مشيرة إلى خلو هذا القانون من الإنسانية وضياع حق الطفل وتشجيع إتباع أسلوب الضرب كأسلوب تأديبي ، ما يؤثر سلبا على نفسية الطفل وتحصيله الأكاديمي.

 يبين عضو اللجنة العالمية للطب النفسي الدكتور محمد الدباس خطورة إتباع أسلوب الضرب مع الطلبة وخصوصا الأطفال منهم.

حيث يشرح الدباس الآثار الآنيّة  لضرب الطالب في المدرسة بتعرض الطالب للصدمة والانهيار في بعض الأحيان إضافة إلى الأرق والتوتر والأحلام المزعجة.

ويكمل الدباس بأن أسلوب الضرب العقابي في المدارس عادة ما يكون له آثار نفسية لاحقة شديدة الخطورة ، تتمثل في سلوكيات الطفل الذي قد يصبح عنيفا وذلك كرد فعل للأسلوب المتبع معه داخل المدرسة ، إضافة إلى إتباعه الكذب محاولا تجنب أي عقاب جسدي وعدم الثقة بالنفس على المدى البعيد ما يؤدي إلى إخراج جيل عنيف تمت تنشأته بشكل خاطئ منذ الطفولة.

ويوضح الدباس أنه قد أشرف على علاج العديد من الأطفال الذين كانوا قد تعرضوا للضرب من قبل المعلمين داخل المدارس الأردنية، وان الآثار النفسية التي كانت لديهم هي آثار خطيرة تستوجب إيقاف العنف بحق الطفل سواء أكان في المنزل أو في المدرسة أو في الشارع.

مدرسة إناث في عمان الغربية تستبدل الضرب بالحجز والحرمان من الدراسة  

أكدت احدى فتيات مدرسة تلاع العلي الثانوية في غرب عمان،  والتي فضلت عدم ذكر اسمها، أن الاسلوب العقابي المتبع في مدرستها هو اسلوب الاحتجاز.

حيث تقوم من أسمتها بالمعلمة “المسؤولة عن الكشافة” باحتجاز الطالبات اللاتي يخطئن، أو يتأخرن عن الطابور الصباحي في غرفة مخصصة لتلك الغاية.

وتكمل الطالبة التي تدرس المرحلة الاعدادية في المدرسة بأن فترة الاحتجاز تختلف من طالبة لأخرى، وذلك حسب نوع الخطأ المرتكب من قبل الطالبة ، “أنا حُجِزت لحصتان دراسيتان فقط وذلك بسبب تأخري عن المدرسة لعدة دقائق ، وهنالك طالبات تم احتجازهن  طيلة اليوم الدراسي.”

وعند سؤال الطالبة ان كانت المدرسة قد قامت بتبليغ ذويها أو توجيه انذار لها أو لزميلاتها بدلا من العقاب بواسطة الاحتجاز, أكدت الطالبة بان الأسلوب العقابي الوحيد في المدرسة هو اسلوب الاحتجاز حتى ان أهل الطالبة لم يعلموا بذلك الا عند كتابة هذا التحقيق ما جعل أباها يتوعد بالتوجه الى وزارة التربية والتعليم لتقديم شكوى بحق ادارة المدرسة.

وزارة التربية “دورات ارشادية وخطط علاجية وغياب التطبيق

 على مرّ عدة اعوام قامت وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني باطلاق دورات ارشادية بنيت على خطط جيدة لمعالجة ظاهرة العنف الممارس ضد طلبة المدارس.

ويؤكد الدكتور محمد العكور أمين عام وزارة التربية والتعليم بأن الوزارة تعترف بوجود هذه الظاهرة وأنها قد عملت جاهدة على وضع خطط لإيقافها “أو على الأقل الحد من ظهورها ” وذلك من خلال تنفيذ مجموعة من البرامج والمشاريع.  منها  برنامج الحملة الوطنية” معا… نحو بيئة مدرسية آمنة” الذي يهدف الى تبني المعلمين في المدارس الحكومية ومدارس وكالة الغوث الدولية ومدارس الثقافة العسكرية أساليب تربوية لتوجيه وتعديل سلوك الطلبة.

وبحسب مؤشر الحملة فان العنف الجسدي بحق الطلبة قد انخفض عام 2013 بنسبة  15% وانخفض العنف اللفظي بنسبة20%.

بالإضافة لبرنامج “نحو بيئة مدرسية أفضل” و “مهارات الرعاية ، وبرنامج “تواصل أفضل مع اليافعين”، والتي تهدف جميعها الى انتهاج أسلوب تربوي حديث يحد من ظاهرة العنف ضد الطلبة.

وأكمل العكور “بأن وزارة التربية والتعليم تعترف بوجود ظاهرة الضرب في المدارس ، وتعمل جاهدة على الحد منها ولكن المسؤولية لا تقع على عاتق وزارة التربية والتعليم فقط ، وعلى المجتمع الأردني ان يتكاتف لمحاربة هذه الظاهرة.”
وأوضح العكور بان هنالك قوانين عقابية رادعة لأي معلم قد يستخدم العنف الجسدي أو اللفظي بحق الطالب ، ولكن ولموافقة معظم الأهالي على ضرب أبنائهم ، يستمر تعرض بعض الطلبة للعنف في المدارس دون وصول الشكاوي الى الوزارة.

ووعد العكور بمتابعته لجميع الانتهاكات اتي رصدها التحقيق فور اطّلاعة عليها ، موضحا بأن الوزارة لن تتهاون بحق أي معلم يخالف القانون باتباعه للأساليب العقابية الجسدية أو اللفظية ، وان الوزارة ستتابع أيضا مسألة احتجاز الطالبات داخل مدرسة تلاع العلي لوضع حد رادع لهذه الواقعة.

 تم إعداد هذا التقرير من قبل فريق مشروع حوكمة، وهو برنامج اعلامي استقصائي أطلقته مؤسسة طومسون رويترز في الاردن بالشراكة مع شبكة “أريج” إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية.”

تعليقاتكم

الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2015