مختارات صحفية

إعدام الحريات والإعلام وحبس الانترنت

رنا الصباغ

ثلاث صور قاتمة أُضيفت إلى أحجية المشهد العربي قيد التشكّل، منذ تغير التوازنات على الساحة المصرية عقب إزاحة حكم الإخوان المسلمين هناك.

مشاهد صادمة، لكنها متوقعة لكل من لم يهلل لعودة العسكر إلى حكم مصر، غداة الانقلاب على أول رئيس إسلامي منتخب في “أم الدنيا”، باعتبار أن هذا الانقلاب فاتحة طريق لتصحيح مسار الثورات، وتخليص المنطقة من القوى الدينية المتشددة، بعد إزاحة أنظمة الحزب الواحد أو “الدولة الأمنية”.

قبل أيام، أصدرت محكمة جنح الاسكندرية أحكاما بسجن 14 فتاة من حركة “سبعة الصبح” لمدة 11 عاما، وإيداع سبع فتيات قاصرات أخريات في دور رعاية الأحداث؛ لمشاركتهن في تظاهرة مناوئة للانقلاب.

لم تحرك غالبية القوى العلمانية واليسارية والليبرالية ساكنا، وكأن العرس عند الجيران. ربما ترغب هذه الفئة في تجاهل كرهها للإخوان، أو حجم “المقلب” الذي بلعته بعد ترحيبها بالانقلاب وانتصار المؤسسة العسكرية لمطالب غالبية الشعب، عبر تحريره من خطايا مرحلة الإخوان والحكم باسم الدين.

قبل ذلك، تعرضت متظاهرات سلميات للركل وشد الشعر والتحرش والإهانة على أيدي قوات أمن، قبل إلقائهن في الصحراء، بينما قرّرت غالبية وسائل الإعلام التزام الصمت أو تبرير ما قام به الجنود، على ما يصل إلينا من أنباء.

وفي دبي، وُجهّت تهم بخرق قانون الإنترنت لمواطن أميركي بعد تحميله فيديو عن ثقافة الشباب في دولة الإمارات العربية المتحدة.

كذلك في لبنان، تعرض أربعة صحفيين من تلفزيون “الجديد” للضرب والركل من أعوان الجمارك، بعد أن رفض رئيسهم إجراء مقابلة مع صحفيي الفضائية التي تعد تحقيقا استقصائيا عن تهريب بضائع في مطار بيروت. أعقب ذلك اندلاع احتجاجات تطالب بكشف الفساد وتعرية المفسدين، في أنحاء متفرقة من لبنان.

بغض النظر عن جسامة قرارات المحكمة المصرية، فإن هذه الإجراءات تعد انتهاكا لحرية الرأي؛ المفترض أن تكون الفائز الوحيد في موجة الاحتجاجات التي اندلعت في جادة الحبيب بورقيبة في تونس قبل ثلاث سنوات، وامتدت إلى ميدان التحرير، قبل أن تنتقل عدوى المطالبة بإصلاحات سياسية وحرية وكرامة ومحاربة الفساد، إلى دول المنطقة.

المحتجون -حال المراقبين والنشطاء السياسيين- يحتاجون اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى وقفة ثانية للتأمل بمآلات أجواء ما بعد الثورات والحراكات العربية.

فمصر، قاطرة الدول العربية، خطّت إلى حد كبير مسارا جديدا خشنا في التعامل مع المشهد السياسي العربي عقب الانقلاب الأخير. إذ صاغت قانونا جديدا لتنظيم الحق في التظاهر، يمنع تجمهر أكثر من 10 أشخاص في مكان عام، وبما يقلّص مناخ الحريات ويحد من القدرة على انتقاد الحكومة ووزير الدفاع الفريق عبدالفتاح السيسي. كما أُقرّ، قبل يومين، دستور يسمح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. هذه الإجراءات ستؤثر بالطبع على مناخ الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقررة العام المقبل.

تخيلوا نوع الدعاية التي ستسبق الانتخابات في بلد وضع قيودا صارمة على حق الناس في التجمع، ويحاسب كل من ينتقد سياسات الحكومة، ويرفع شعارات مناوئة للانقلاب. في الأثناء، تنصاع غالبية وسائل الإعلام العامة -الخاضعة لسيطرة الحكومة، والخاصة المملوكة لرجال أعمال أو مشاريع ساسة- لأوامر السلطة؛ طواعية في أحيان كثيرة.

غالبية كتاب الأعمدة، ومعدي برامج الحوارات التلفزيونية التي تمتد لساعات ليلياً، ورؤساء التحرير، أعلنوا انحيازهم للسلطة على حساب دور الصحافة في المساءلة والمراقبة.

من كان منهم يشكو من قمع الإخوان ويشن حملات على سياسات الرئيس المعزول محمد مرسي، وقبلها على المجلس العسكري الذي أشرف على المرحلة الانتقالية، خلع بدلة المعارضة وارتدى قميص الموالاة من دون أن يرف له رمش، من باب “حماية البلاد من خطر الإخوان وإرهابهم”.

منذ الآن فصاعدا، نعرف بالضبط شكل مشهد الانتخابات المقبلة في مصر؛ تماما كما كان أيام الرئيس المخلوع حسني مبارك.

لندخل في بعض التوقعات الخطيرة، ونستنتج إلى أين تسير المنطقة هذه الأيام. من الواضح أن الارتداد إلى ما قبل الربيع العربي بدأ جديا في مصر، والبحرين، والعراق، وسورية، والأردن. حرية التعبير التي ظلّت الطفل السقيم/ اليتيم في العالم العربي، تعود اليوم إلى غرفة الإنعاش في غالبية دول المنطقة.

المسيرات التي تجوب الشوارع لإسماع صوتها، أو للمطالبة بحقوق المواطنين، ستتقهقر، بخاصة في العواصم التي شهدت ثورات أو حركات احتجاجية واسعة تطالب بالإصلاح. سيتعمق الاحتقان ولفلفة الأوساخ تحت السجادة؛ سيستمر اعتقال وحبس أصحاب الأصوات المخالفة للنهج العام. أما أصحاب الولاء والطاعة لمن يجلس في مقاعد السلطة، فسيكافأون لأنهم “غيورون على مصلحة بلدهم”.

حملات الترويج والدعاية المكثفة التي تطلقها السلطات الرسمية والأحزاب الحاكمة، ستُقنع المشككين بأن الاستقرار الأمني-السياسي والرفاه الاقتصادي أهم بكثير من الحريات الشخصية، ومن حكم دولة القانون والمؤسسات وحقوق الإنسان الأممية، وقيم الديمقراطية والفكر الحر. الجهاز القضائي سيفقد المزيد من استقلاليته بعد أن صار جزءا من اللعبة السياسية في غالبية الدول العربية.

ورغم آمال وتطلعات الجماهير، فإن الفصل الأول من كتاب الربيع العربي يقترب من الطي. تقرير منظمة “فريدوم هاوس” عن حال الحريات حول العالم في العام المقبل 2014، سيكون زاخرا بأمثلة عن تراجع الحريات الإعلامية والحق في التعبير في غالبية الدول العربية؛ بخاصة تلك التي يعيش قادتها أجواء نشوة وانتصار بعد هزيمة الإخوان في مصر.

سيكون التقرير أكثر انتقادا من تقرير هذا العام الذي امتدح تحول تونس وليبيا وارتقاءهما إلى مصاف دول “نصف حرة” صعودا من دول “غير حرة”، فقط لأنهما بدأتا من نقطة صفر صعبة: حكم أنظمة بوليسية.

لكن التقرير أظهر تراجع مناخ الحريات في العراق، والكويت، والأردن، ولبنان، وسورية، وعُمان، ودولة الإمارات العربية المتحدة. وامتدح في المقابل التحسن الواضح في أجواء مصر آنذاك، وإن ظل تحسنا متواضعا، كونها (مصر) نظمت انتخابات تشريعية ورئاسية أكثر نزاهة من التي سبقتها، أدت مرحليا إلى إنهاء حقبة ولاية العسكر، مع أن تلك العملية لم تكن مثالية، بحسب التقرير. لكن الرئيس مرسي أعاد عقارب الساعة إلى الوراء عندما حاول تجيير الإعلام والسيطرة على مفاصله وإقصاء الآخر. وحدث ما حدث.

الشيء الأكيد الآن هو أن المنطقة تعيش وسط أجواء تراجع في مستوى الحريات السياسية منذ منتصف هذا العام. فالحكام الجدد في مصر مصممون على خنق الإعلام والحريات؛ والأمن يتدهور بسرعة في ليبيا. وفي سورية، تزداد قوة الرئيس السوري بشار الأسد رغم اتهام نظامه بقتل أكثر من 150 ألف مواطن. وتتعمق في تونس حال الشد والجذب بين المعارضة الليبرالية وحزب النهضة الإسلامي بشأن النفوذ والكرسي.

في الأردن، تتراجع حال الحريات السياسية والإعلامية، مع أن الدستور المعدل قبل عامين يتضمن 15 بندا تضمن حرية التعبير. وتواصل السلطات معاقبة وحبس صحفيين ونشطاء سياسيين.

ولن ينفذ على المدى المنظور، اقتراح حكومي، بناء على توصية من الملك عبدالله الثاني، باقتصار ولاية محكمة أمن الدولة على أربع جرائم خطرة: التجسس، والخيانة العظمى، وتزوير النقد، والاتجار بالمخدرات.

وثمة شكوك في أن ينجح مجلس النواب ذو الغالبية المحافظة في تعديل قانون العقوبات، والذي يتضمن بنودا تبيح محاكمة متظاهرين سلميين بتهم تصل حدود الإرهاب. وكذلك الأمر بشأن تجويد مشروعي تعديل كل من قانون المطبوعات والنشر وقانون الحق في الحصول على المعلومات.

بذلك، “تعود حليمة إلى عادتها القديمة”. انتهى الفصل الأول من ربيع العرب، وإلى اللقاء في ربيع آخر تسبقه ظروف موضوعية أفضل: ثورات تضرب قطاعات التربية والتعليم والإعلام والقضاء، وأحزاب ذات برامج متكاملة توفر حلولا لمشاكل المجتمع وتؤمن بالتعددية السياسية والثقافية وبتداول سلمي للسلطة.

وكذلك إعادة ترميم طبقة وسطى قادرة على توفير لقمة العيش، مع إعلام محترف، وسلطات مستقلة، وجيل جديد يؤمن بحرية التعبير وبحقّه في النقد والتفكير خارج ما يملي عليه والده في البيت، أو معلمه في المدرسة وأستاذه في الجامعة، ورب عمله لاحقا إن لم يكن من فئة المحظوظين.

الأجندة الرسمية لغالبية الدول العربية نجحت في تخويف المواطنين من أجواء ثورات جلبت فوضى سياسية بلا حدود، وقسّمت المجتمع أفقيا وعاموديا وعرقيا وطائفيا.

من الآن فصاعدا، ستكون سياسة العين بالعين والسن بالسن هي السائدة، إلى أن يكتشف من هلّل في المرة الأولى وفي المرة الثانية والثالثة، أن ما تغير هو الجالس على الكرسي، وليس النهج السياسي والاقتصادي، أو عقلية المجتمع الذي انفطم على نظام الأبوية والريعية.

(الغد)

تعليقاتكم

الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2015